يوسف بن حسن السيرافي
مقدمة 4
شرح أبيات سيبويه
غير أن الزمن عوّض عن فقد هذين الكتابين بمعجزة القرن الثاني ، بالخليل نفسه ( ت حوالي 175 ه ) بعد أن قضى من عمره شطرا يشافه الأعراب ويحفظ عنهم ، يعمل في ذلك فكره ، يستقرىء ويستنبط ، يقيس ويعلل . . دون أن يضع في ذلك كتابا ، غير أن ثمار قياسه ونظراته وتعليلاته آتت أكلها في كتاب تلميذه النابه سيبويه ( ت حوالي 180 ه ) الذي سار في لقاء أبناء البادية والأخذ عن فصائحها سيرة شيخه الخليل ، الذي كان « يحفظ نصف اللغة » « 1 » حتى قال المبرد : « إن المفتشين من أهل العربية ، ومن له المعرفة باللغة تتبعوا على سيبويه الأمثلة ، فلم يجدوه ترك من كلام العرب إلا ثلاثة أمثلة : منها الهند لع وهي بقلة ، والدّرداقس وهو عظم القفا ، وشمنصير وهو اسم أرض » « 2 » . ثم عكف على وضع كتابه ، ملتزما مراجعة الخليل ، ينقل أقواله ، ويستضيء برأيه في كثير مما جاء في كتابه من مسائل النحو ، مما يطالع المتصفح لكتاب سيبويه من أمثال قوله : ( وسألته ) أو ( قال ) أو ما أشبه ذلك « 3 » . وقد أحدث كتاب سيبويه منذ حياة صاحبه أوسع الأصداء ، وأقبل عليه المشتغلون في إكبار وتعظيم ، بما تميز به من أمانة في النقل ، وغزارة في المادة ، وتنوع في الأساليب الفصيحة . . في حسن تقليب لها ، ونظر فيها ، وموازنة بينها . . ثم من ذوق في الاختيار ، وتوخ للمعنى والتزام جانبه بقوة فيما يختاره ويأخذ به من وجوه ، بعيدا عن الأحكام المسبقة والقواعد المطلقة . . مما يفتح ذهن القارئ ، ويأخذ بيده ليشارك في استنباط هذه القواعد التي تهتدي في دروبها - بين
--> ( 1 ) أخبار النحويين البصريين 41 ( 2 ) رسالة مخطوطة لأبي جعفر النحاس فيما يتعلق بالكتاب 2 / أ . وانظر المنصف لابن جني ( البابي الحلبي ) 1 / 31 و « شمنصير » في القاموس ( شمر ) 2 / 64 جبل لهذيل . ( 3 ) أخبار النحويين البصريين 31